ليبرالي الشارع, محافظ البيت, “بلع التغيير و لم يهضمه” ..

لدي صديق ذو هواية عجيبة, فهو يتفنن في تصنيف عباد الله يمينا و شمالا.. فهذا “ليبرالي” و هذا “قفل” و هذا “كلاس” و هذا “متشدد و منغلق” و هذا “محافظ” ..
و خلال سلسلة وصفاته العجيبة قاطعته فجأة و قلت ” الحين أنت ما خليت أحد ألا صنفته, طيب أنت و ش أنت, أنت وش هويتك؟”..

الحقيقة أن السؤال سقط على صديقي كالصاعقة و تفاجأ منه و أخذ لحظات و هو ينظر إلى باستغراب كأنه المنزه عن كل ما ذكر و أستجمع رباطة شاجه و أجاب:” وش قصدك؟ أنا زى الناس!”, فأجبته بسرعة: “قصدي أنت أين تضع نفسك من هؤلاء؟” .. سكت و كرر عبارته:” وشلون يعني؟ أنا زى الناس .. زى و زيك!” ..

فكرت قليلا ابتسمت وقلت” أنت تكاد تكون صنفت جميع الناس إلى شرائح و الظاهر لم يبقى ألا إنا و أنت!” “هذا ليبرالي” “هذا منحل” “هذا متخلف” ..  لم يجب صديقي و انتهى نقاشنا إلى هذا الحد و لكني لم أستطع التوقف على التفكير في الأمر.. فوجدت أننا و نكاد نكون جميعا نضع الآخرين في شرائح فرضتها علينا مورثاتنا الاجتماعية و لكن لم نتجرأ بل لم نفكر في هويتنا أصلا .. فنحن نعتبر أنفسنا بغرور في الوضع المثالي و الآخرين هم الشذوذ و من يستحقون وضعهم على لائحة تصنيفاتنا..

فكرت في صديقي و أنا مثله .. هذا و قررت أن أخوض معركة التصنيف ضده ..

صديقي هذا ينادي بكل شيء حضاري و جميل فتجده يؤيد الانفتاح الإيجابي و يكرر دائما “ليه ما تسوق الحرمه”  “ليه ما نتعامل وننصح الناس بهدوء” “ليه نحكم على الفاعل و ليس الفعل” ” الحدائق و الأماكن المفتحة ما يستفيد منها إلا الأجانب” ..

المهم ..قابلت صديقي لاحقا و حزمت أمري و سألته  أن يجيبني بصراحة… “هل أنت حينما تعود إلى البيت تطبق و تعمل بهذه الأفكار؟ هل ترضى لعائلتك أن تتبناها؟ ما عندك مشكلة تتطلع تتمشى مع حرمتك في شارع التحلية؟ “تودي بناتك يسبحون؟ لا يجيهم مرض السكر؟”..
فرد بسرعة و بلا تفكير “أعوذ بالله..  أذكر الله.. مجنون أنت؟” ..

دهشت جدا بل تلعثمت و هالني حجم النفاق والتناقض الاجتماعي الذي يعيشه أبناء هذا الجيل.. و الحقيقة أن الصورة كانت واضحة و لكن كنا نتغافل عنها ..
فأنا و صديقي مثل أبناء هذا الجيل …

       بلعنا التغيير و لم نهضمه ..
       ليبراليين في الشارع و محافظين في البيت ..
      أو بوصف بسيط .. “انفصام حاد في الشخصية” …

لم نعمل حتى على بناء هويتنا و أخد ما يفيد من موجات التغيير و رفض ما لا يناسبنا بل وقفنا تائهين ..

فمن اليوم أسأل نفسك ؟ ما هي هويتك؟ وسارع إلى وضع نفسك في ما تحب أن تكون فيه .. قبل أن يسارع صديقي إلى تصنيفك :)

 

12 thoughts on “ليبرالي الشارع, محافظ البيت, “بلع التغيير و لم يهضمه” ..

  1. مبدع كعادتك..بالنسبة لي احب ان اكون,,,محافظ إجتماعياً متحرر فكرياً…

  2. موضوع رائع جدا اختياراتك دوما في صميم الهدف الاجتماعي ماشاء الله عليك
    ولاكن ارى انه العلاج الاهم في هاذه المعضله الفكريه هي الثقه واحترام سواء للنفس ام للمجتمع ككل في اي اختيار او تصرف او وجهه مظر في ذالك
    شكرا لك

  3. بصراحه
    ارى ان الشباب في جيلنا
    يعيش بالاقنعه

    ففي البيت بقناع
    وخارجه بقناع

    نحن لا نستطيع بدون لبس الاقنعه

    اتحسر على حالنا
    فحتى انا
    في اماكن لا استطيع الا ان البس القناع

    لكن
    لازلت احاول ان اعيش بدون قناع

    كل الاحترام لك ولحرفك

  4. مثل صديقك كثيرين يا اخي ماجد
    اذا شفت حولينك بتحصل معظم الي حولينك يصنفون الناس بس طبعا بدرجات مختلفه ،،،

    للاسف هل نوعيه من الشباب وحتى البنات لا يعجبهم العجب ولا الصيام فرجب ،،، يشوفون انهم كاملين وخبراء في تحليلات الشخصيات وكانهم دكاترة علم نفس واخصائيين اجتماعيين !!!؟
    بس يوم تشوف واقعهم تراهم مخافين تماما لما هم عليه !!؟
    كان لي احد الاصدقاء من نفس هل نوعيه ‘‘‘‘اتزوج ،،ماكملت زوجته عنده شهرين ،،،طلقها !!؟ مع انها ماطالبت باي شي من الانفتاح الي كان هو يطالب به للنساء الاخريات قبل زواجه ،،ومسالة حرية الراي والفكر !!؟
    مشكلة ربعنا يعتقدون انهم باتباع الاجانب وفكرهم انهم بيتحضرون وان هذه هي الثقافه والتطور !! لكن نسو ان ثقافتناوعاداتنا ومعتقادتنا هي من دينا ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ،،وان صحابتنا الكرام ،،والحش الي يحطون فيه عالناس هذا غيبة ونميمة !!
    الله المستعان

    سمحلي صديقي طولت شوي بس حبيت اعبر عن شعوري

    تحيتي

  5. أول شيء

    الله يعطيك العافية على المدونة الجميلة

    وثانيا

    للأسف ما واجهته مع صديقك هو ما نواجهه تقريبا في كل مكان وزمان

    وهو إزدواجية المنطق لدينا

    لدرجة اننا في أحيان كثيرة نتكلم بشيء ونفعل خلافه في نفس الوقت

    الثبات على المبادئ ثقافة

    وهذه الثقافة مفقودة لدينا رغم انها ديدن الأنبياء والمرسلين ومن اهم ما دعونا إليه

    أخيرا

    الله يحفظ لك لين ويفرحك بها

    قول آمين

  6. الازدواجية هي مشكلة هذه النوعية من البشر، هو مصاب بالشيزوفرينيا، والشيزوفرينا كما تعلم أخي مرض، فقد استسلم للمرض وأعراضه، وليس على المريض حرج.
    كن دائما بخير
    خوله

  7. السلام عليكم ،
    .
    .
    نحنُ منفصمون جداً ، و هو أمرٌ يغيظ
    لكن بخصوص التصنيف: أعتقد أن تصنيف الناس هدفه الشروع في فهمهم
    و خصوصاً أولئكَ الذينَ لا تستطيع فهم ذواتهم الغامضة ،
    ،
    فبرأيي هدف التصنيف ليسَ الإساءة، و الإقصاء ..
    .
    .
    تحيتي لك

  8. عني انا محافظة اجتماعيا لاني مضطرة لذالك لاننا نعيش وسط افراد وجماعات يكونون رابطة وسلسة اجتماعية فكل ماهو سائد في المجتمع يقيدنابقيود لنكون صورة عاكسة على مايمليه لنا والا صنفنا اننا منحرفين اجتماعيا ونظرو لنا بصورة اخرى
    ***** والواقع يشهد على ذالك ****
    ولكن من الناحية الفكرية متحررة ***** قال الديمقراطية ***
    لان افكارنا تبني افكار الاخر وهكذا الى حد الكمال وافكارنا قد تناقض الاخرين الا انا كل شيئ رائع في وجود الجدال الفلسفي وليس المصارعة والحرب الجسدية
    وبالفعل التصنيف موجود والاختلاف مطبوع والكمال الا لله عز وجل
    ولهذا يجب ان نلتزم اولا بما يقره لنا ديننا ثم ناخذ بمعطيات الاجابية لمجتمعا ومن ثم نقتبس اشياء فعالة ومناسبة لنا ولديننا ويحبذها مجتمعنا
    وارتداء قناع اخر او اقتباس شخصية غير التي اكتسبتها قد ياتي اليوم وتسقط وتظهر على حقيقتها .

    ماقصرت اخي ماجد /
    برك الله فيك وسلم اديك
    وحفظك لاهلك ولنا
    كل سلام لك
    وللكتكوتة لين

  9. بسم الله الرحمن الرحيم
    أعتقد إن هذا الموضوع فعلاً مهم ويجب أخذه بعين الإعتبار.
    ووجدت إن على المرء أن لا يكون مرآة صادقة للآخرين فقط .. ولكن أيضا مع نفسه . وعلى الإنسان ان يأخذ العبرة ليس ممن سبقوه فحسب ولكن ممن حوله كذلك وخاصة في موضوع ما يسمى التحرر أو الإعتدال .. فالدين ليس لب وقشور كما يدعي البعض وهذه مقولة ليس لها اصل ولا برهان.. والثقافة ليست التحرر من قيود الدين .. فليس هناك قيود إنما هناك امتثال وإتباع .. انا ما يظهر به الناس من ما يتبعون من نظرية ما يسمى الإعتدال .. فهو يقصد منه النظر للشرائع بنظرة دونية فوق أهمية الإنسان والدين في حياته.. بارك الله لك .. أشكرك

  10. مشكور اخوي ماجد
    مافهمت وش تبي من مقالك
    على العموم شكله حلو يسلمووووو

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s