من لا يلمس.. لا يُحب ..

بعد أنا مررنا بالكثير من المواضيع في مدونتكم الصغيرة .. مواضيع تمس العلاقة بين ادم و حواء .. مواضيع مثل “قاتل العلاقات الصامت” .. “الأمان قبل الحب أحيانا”.. “الواقع الجميل” .. “أنفلونزا الصفات” ..” النكديه و الحساس”..

حان الوقت و كما أعتدنا نتوقف و نستمع لكلمات ليست كل الكلمات

و كانت أخر هذه الكلمات “سيموت هذا الورد عطشاناً وفي يديك ماء ..”..

و هذه المرة لن تكون شعرا .. بل مقالة .. خطتها أنامل الدكتورة فوزية الدريع..

نترككم الأن لتتعرفوا بقرب على موضوع يهمنا جميعا و نخشى أن نتطرق له أحيانا..

من لا يلمس لا يحب .. و من لا يحب لا يلمس ..

بقلم الدكتورة فوزية الدريع ..

سنوات طويلة وأنا أشاهد هذين المنظرين في عيادتي النفسية حيث أحل مشاكل المتزوجين..

زوجان يدخلان العيادة أمام طاولتي..

كل واحد منها يجر كرسيه بعيداً عن الآخر بأقصى ما يستطيع..

لغة جسم تشهر البعد النفسي والروحي والجسدي.. كل واحد منهما دون أن يشعر كتفه الآخر في الجهة الأخرى مائلاً من حالة البعد والنفور.

المنظر الثاني عصفورا حب يدخلان العيادة ويجد كل منهما كرسيه بقرب الآخر ويلتصقان.. المحبة بينهما تكاد تجعل التصاقهما مثل التوأم السيامي.

هذه المساحة بين الرجل وامرأته.. لماذا تقصر عند البعض ولماذا يكون بعد المساحة أحياناً تمرح فيه الخيل؟!!

لا توجد مشكلة لها سبب واحد أو زاوية واحدة حتى تطرح بشكل متكامل. اليوم سنمسك خيطاً مهماً في هذا التباعد وهو «اللمس في العلاقة الزوجية»..

وحتى يكون مسار الفكرة واضحاً نحن هنا لانتحدث عن «اللمسات الحميمية الخاصة» فهذه المنطقة الحمراء لها مجال مختلف وخاص.

نحن هنا نتحدث عن اللمس العام في العلاقة عن:

الطبطبة، مسحة الرأس، احتضان الود ولمة الخوف ومسك اليد وغيرها من لمسات يجهل الكثير أهميتها في صحة العلاقة الزوجية.

عبارة سمعتها كثيراً في عيادتي ومن حالاتي وفي مشاكل القراء التي أتعامل معها منذ أكثر من عشرين سنة.. عبارة رجل يريد لحياته الشرعية حيوية تقول: «ماذا تريد وفرت لها كل شيء – ثم إني في اللحظات الخاصة لست حيواناً وأعرف الأصول».

من قال أن المحبة حدودها غرفة النوم، ومن قال أن المرأة تحتاج اللمسة الخاصة، المرأة مع أكثر من الرجل تحتاج صوراً عديدة من اللمس العام طبطبة الكتف احتياج، مسحة الرأس احتياج، التربيت على الظهر …إلخ..

كلها احتياجات إذا لم تتوفر لا تدخل المرأة لحظتها الخاصة مرتاحة.. ذلك لأن الجلد عامة، وجلد المرأة خاصة مخلوق يتغذى طوال اليوم على اللمس بأنواعه المختلفة.

إن مشكلتنا مع اللمس هي مشكلتنا مع الجلد نفسه.. فنحن نجهل الجلد ولا نفكر به إلا إذا طرأ ما يجعلنا نفكر به مثل حكة أو بثور وغيرها..

نحن لا نملك ثقافة لمسية، ولا نملك من الأصل ثقافة جلدية..

نحن نفكر بعيوننا، بقلبنا، بمعدتنا وحتى بأظافرنا لكننا لا نفكر بالجلد..

 قطعة القماش العظيمة التي تلفنا.

إن الجلد يعتبر أكبر وأثقل عضو حي فينا، فهو يزن قرابة 5.4 كيلو جرامات أي أنه يمثل حوالي 5 – 10% من وزن الجسم كله. وهو يعادل مساحة 18 قدماً مربعاً، أي ما يعادل شرشف صغير.

إن كل سنتيمتر مربع من الجلد به ثلاثة ملايين خلية: دهنية، عرقية، شعرية، عصبية.

وإذا ركزنا على الخلايا العصبية أو النهايات العصبية على الجلد نجدها تبلغ في الجلد كله خمسة ملايين خلية عصبية.

نعم خمسة ملايين خلية عصبية تتعب، تتوتر، تريد رياضة، تريد تحريكاً حتى تبقى على حيويتها – وماذا غير اللمس يعطيها البقاء؟!

إن الجلد الذي لا يتم لمسه يموت ومعه يموت صاحبه، الأمر قد يبدو للبعض مبالغة وهو ليس كذلك، العلم يؤكد أننا كبشر نعيش على الهواء والماء والطعام واللمس أيضاً وربما نموت أسرع بالعناصر الثلاث الأولى لكننا بدون اللمس نموت بعد حين أو يموت شيء فينا.

معرفة أهمية اللمس عرفها الإنسان من بدايته..

لكنها بدأت تأخذ مجرى علمياً بعد حادثة بسيطة أثناء الحرب العالمية الثانية.. حيث وضعت عنابر ليتامى الحرب من أطفال.

قد لاحظ طبيب من من الأطباء أن أحد العنابر الأطفال يبدون فيه أكثر هدوءاً نسبة الموت بينهم أقل وسماعهم لأوامر الممرضات أكثر.. سأل نفسه.. لماذا هذا العنبر بالذات أطفاله هكذا؟!..

وبرصد كل العناصر وجد أن كل العنابر بها ذات الغذاء وذات العناية الطبية، هناك شيء واحد في ذلك العنبر إضافي عجوز تسكن بالقرب منه، تحضر كل يوم وتلمس الأطفال على رؤوسهم، تحتضنهم.

وكثرت بعد ذلك التجارب على قردة، وفئران حرموا من لمس في مقابل من أعطوا لمس الأم أو غيرها فعاش من تم لمسهم ومرض، وتخلف عقلياً ومات من لم يتلق لمساً..

نحن نحتاج اللمس لأنه يحمل معاني مثل:

المحبة، والمداراة، والود والإحساس بك، اللمس يعطي الطمأنينة والتشجيع وغيرها.. لكن أيضاً يخلق حياة للجلد نفسه ولأننا كتلة «إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى».. فحين لا يأخذ الجلد لمسات يمرض فنمرض، قد لايصدق البعض أن الجلد يحس فهو يحس، يفكر ويرى..

صحيح أن الجلد وسيلة حاسة اللمس لكنه يسمى العين الثانية ويسمى المخ الثاني لمقدار إحساسه بكل ما يدور حوله..

في تجارب طريفة عظيمة وجد الآتي:

وضع أشخاص في مكان ضيق مزحوم وتم بكاميرات دقيقة رصد نسيج الجلد فوجد أنه تقلص واستنفر وبدأ يخرج روائح دفاعية كريهة مثل أي حيوان يكون في زاوية صيد بعد مطاردة طويلة.

 في تجربة رصد للمحبة وجد أن الجلد حين يكون مع إنسان يحبه يتمدد، يترطب تشع منه رائحة طيبة ويتدفق على سطحه الدم ليخلق حيوية.

انظر إلى وجه المحبين في حضرة الحبيب وستدرك ذلك.

نعم الجلد يحس وهو كالطفل حين يشعر بالحرمان يعلن احتجاجه فهو يبكي يمد بوزه ويمتنع عن الطعام.

ونعود لأهم جلدين، جلد الرجل وجلد المرأة، كلاهما يحتاج اللمس..

لكن هرمون الاستروجين الذي يجعل جلد المرأة أرق ينتج وبحتمية حاجة لمس أكثر..

نعم الرجل يحتاج اللمس بكل صوره.. لكن المرأة بخلقة الله تحتاجه أكثر..

الدراسات الكثيرة تؤكد أن المرأة التي تتلقى صوراً عديدة من اللمس سابقة الذكر تصبح تجاعيدها أقل، ودورتها الشهرية أكثر انتظاماً قابليتها للإخصاب أقوى وقدرة تحملها لضغوط الحياة أعلى.

فلأجلها ولأجلك طبطب، ربت، اسحب.. لأجل الخمسة ملايين خلية عصبية ألمسها.. لأجلكما معاً تلامسا..

د/ فوزية الدريع ..

السيرة الذاتية للدكتورة فوزية..

فوزية الدريع تقابل ولد الديرة – الجزء الاول

فوزية الدريع تقابل ولد الديرة – الجزء الثاني و الاخير

ولد الديرة يقلد الدكتورة فوزية الدريع جزء 1

ولد الديرة يقلد الدكتورة فوزية الدريع جزء 2

14 thoughts on “من لا يلمس.. لا يُحب ..

  1. سبحان الله .. من كان يعتقد أن المحبة، والمداراة، والود والإحساس ، لها علاقة مباشرة باللمس حيث يعطي الطمأنينة والتشجيع وغيرها.. كما ذكرت الدكتورة ..
    الى الأمام و كل موضوع جديد في المدونة يلمس جانبا من واقعنا ..
    شكرا لما تبذله من مجهود ..

  2. شكرا ابو لين ..
    مقال مميز و مليء بالمعلومات الضرورية للطرفين و حقيقة لم اتوقع أن جسم الأنسان لديه هذه العدد الهائل من الخلايا.

  3. كم من الحاجات تهمل لا لسبب إلا عدم الإعتراف بوجودها ..

    حتى أن أحد الرجال يستنكر مطالبة زوجته الثلاثينية بالحنان ..
    فهو يرى أنها ليست صغيرة تحتاجه ..!

  4. انا متعجب من سعة صدرها و هي تقابل ولد الديرة بعد اللي سواه فيها..
    و الله وسيعة بال ..
    الحقيقة … أصبحت مدونة لين من عاداتي الصباحي ..

  5. مقال رائع كنت اعلم ان للمس اهميه لكن لم اتخيل لهذه الدرجه

    اريد ان اشكرك على النقل المتميز فلقد استفدت كثيرا

    وتعلمت ايضا ان (حمودي) ابن اختي لايبكي لجوع او برد او احتياج مادي بل يريد من يحضنه

    لا تعلم مدى سعادتي وانا ارى تعابير وجه التي تفيض براحه والرضا عندما احضنه
    :) دمت في حفظ المولى

  6. بالنسبة لي فأنا اهتاج بسرعه مجرد ان اشعر بأن هناك احد يريد يلمسني حتى لو بطرف اصبعه ||

    ودائما اصرخ بوجه اخوتي عندما يأتي احدهم لطلب شيء فيدقني مثلا من ظهري بخفة

    او عندما يأتي احدم ويتحدث معي ويقوم بمسك يدي مندمجا بالقصة

    وكأنني احيط نفسي بشيء فأصبح الجميع يتحدث معي وبيني وبينه مسافة حتى يبقى مزاجي مرتفعا

    بالنسبة لفوزية الدريع فهي ليست كما بالسابق ولا تشوقني مواضيعها

  7. موضوع في غاية من روعة وتشوقيق وتثقيف وتوسيع دائرة الفكر وخصوصا في عالم ادم وحواء

    جزاء الله خيرا اخي ماجد

  8. الله يعطيك العافية على المقال بجد مفيـد ..
    وتسلم على المقاطع اليوتوب بجد ضحكت على ولد الديرة ..
    مدونتك بجد ممتازة بإطروحاتك ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s