حسنا! .. ماهو الشيء الذي دائما ما ندعو الله أن يكون حظنا معه جيدا.. و يطلع أحمر حلو؟ …
على الأغلب أننا جميعا سنقول .. بطيخة!..
و لكن هذا ليس على حد الجميع..
فخلال الأسبوع الماضي التقيت أحد أصدقائي خلال عشاء في أحد المطاعم و بدا محبطا جدا.. فقررت أن ارفه عنه.. و كان قد أخبرني مسبقا بأنه يريد أن يكمل نصف دينه.. و أنه دخل دوامة البحث و الاختيارات منذ أكثر من سنتين حتى أصبح لا يعرف كوعه من بوعه!.. “بالمناسبة هذا مثل عربي أصيل و الكوع ليس المرفق كما هو متعارف.. بل أطول عظمة في إبهام اليد!.. و ما هو البوع؟.. ابحث بنفسك! “..
ابتسمت و أنا الحزين المبتسم .. و سألته و أنا أكتم ضحكاتي: ” ها عسى طلعت حمراء و حلوه؟! ” ..
نظر إلي باستغراب و ملامحه تحمل الجواب ولا تحمله و أجاب: “ماذا تقصد؟”.. أجبت قائلا ” أتذكر هداك الله و ناوي تدخل قفص الزوجية ” .. عندها ضحك كثيرا و كان قد فهم معنى حلوه و حمراء, و رد قائلا ” بسم الله عليك أبو فيصل .. بطيخة و قفص؟ .. باتزوج من حديقة الحيوانات أنا؟ “..
ضحكت مرة أخرى, و أخبرته أنني أريد أن أمزح معه فقط “أوسع صدره” و لكن يبدو أن ذلك لم يجدي نفعا, وعادت ملامح الإحباط تكسو محياه و قال:” يا أخي .. داخ رأسي و أنا أدور.. و أنت تعرفني.. ما أرتاح حتى أتأكد من أن كل شيء تمام.. حتى لا أتورط و لا اورط أحد معي”..
صمتُ و صَمت .. لبرهة .. و بدا كأنه ينتظر مني شيئا..
لم أكن أريد أن أكذب عليه و أُجمل الصورة.. فالموضوع فعلا أشبه بشراء البطيخة .. و لكنني عاودت التفكير في استنتاجي هذا.. و بدا لي أنه ليس صحيحا على إطلاقه.. فسألته قائلا: “أول شي سألت عن أهلها ؟”.. أجاب: “نعم .. و ناس طيبين تحطهم على الجرح يطيب”..
استطردت قائلا: “سألت عن أمها ؟”.. فأجاب: “سألت.. و خصوصا عن طريق أزواج بناتها الأخريات فأجابوا أنها لم تتدخل في حياتنا قط ..بل أنها لا زالت تتكفل بطعام الغداء لبعض بناتها الموظفات حتى اليوم.. و أنها إنسانة تخاف الله و أحسنت تربية أطفالها”..
“طيب.. طيب.. و رحت شفت البنت و كلمتها؟ و سألت عنها؟”.. سألته بسرعة..
رد قائلا.. “نعم .. و الله ما فيها شي ينعاب .. أولا موظفة.. إضافة إلى أنه مما عرفته عنها أنها تتميز بالأخلاق العالية و تعرف ربها.. هادية, مبتسمة.. و أخواتي سألوا عنها في عملها و وجدوا أن الكل يحبها و ما ذكروا عنها إلا كل خير..”..
“سبحان الله! و محبط؟ طيب استخرت؟” سألت صديقي و أنا تعلو محياي ملامح الدهشة .. أجاب صديقي ” نعم و ارتحت جدا “..
صمت قليلا ثم سألت صديقي العزيز : “طيب و ماذا تنتظر الآن؟ وحي من السماء؟ أكيد بيكون خطبة و ربما ملكه ليتسنى لك التأكد من مشاعرك و قرارك؟ “و لا هذي يبيلها سنتين ثانية بعد!”..”… فأجاب و بنبرة من الغضب ” لا بس خايف أكتشف أنني قد أخطأت في قراري.. هذي عشرة عمري يأخي مو لعب عيال”..
عندها و عندها فقط اندهشت من عجائب الصدف.. و صغر الدنيا في عيني مهما كبرت.. ففي نفس اليوم حدث نقاش شبيه مع صديق آخر عزيز على قلبي و ذكر نفس العبارة .. و حتى أكون أكثر دقة, كانت العبارة “أن أكون أخطأت في إحساسي”..
تنهدت و قلت لصديقي: ” أنت اجتهدت و لو ساءت الأمور مستقبلا .. فلا تلوم نفسك و تقل أنني أخطأت .. بل قل أنني لم اتوفق .. لم يكن الرسول صلى الله عليه و سلم مخطئا حينما خسر معركة أحد و هو الذي لا ينطق عن الهوى.. و أيضا لم يكن مخطئا حينما أكل من شاة اليهودية المسمومة و تسببت في موت احد أصحابه, و لم يزل يجد أثرها حتى توفي صلى الله عليه و سلم”..
استطردت و قلت لصديقي:” هل تعلم أكثر ما أخاف عليك منه ؟” .. رد بسرعة ” قول تكفى”..
قلت له:” أخاف أن تصبح مثل الذي دخل السوق و أخذ يبحث لنفسه عن ملابس في جميع المحلات, محلاً محلاً , مصرا على الحصول على أفضل جوده و بأرخص سعر حتى أعياه الإنهاك.. و اختلطت عليه خياراته .. و داهمه الوقت .. فأخذ أي شي من التخفيضات بسرعة و بدون تفكير.. ليجد لاحقا أنه أساء الاختيار .. و حينها و حينها فقط سوف نقول بأنه أخطأ..”..
حينها أبتسم صديقي راضيا عند هذه النقطة, وكان قد حصل له اتصال طارئ اضطره إلى الرحيل, فاستودعني الله و هو ينظر إلي .. و لكن هذه المرة بملامح لا يكسوها الإحباط بل الارتياح ..
لم أستطع أن أتوقف عن مداعبتي لصديقي و انتظرته حتى أبتعد .. و عندها صرخت و أنا أتبعه خارجا من المطعم و يسمعني و يضحك..
“أدعي يارب تطلع حمراء .. و حلوه!.. .. أدعي يارب تطلع حمراء .. و حلوه!.. “..
ماجد